علي محمد علي دخيل
206
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
في إزالة العقاب أَوْ نُرَدُّ أي نرد إلى الدنيا فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ من الشرك والمعصية قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي أهلكوها بالعذاب وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ على الأصنام بقولهم : إنها آلهة ، وانها تشفع لنا . 54 - لما ذكر سبحانه الكفار وعبادتهم غير اللّه سبحانه ، احتج عليهم بمقدوراته ومصنوعاته ، ودلّهم بذلك على أنه لا معبود سواه ، فقال مخاطبا لجميع الخلق : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ أي ان سيدكم ومالككم ومنشئكم ومحدثكم هو اللّه الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ أي أنشأ أعيانها ، وأبدعها لا من شيء ولا على مثال ، ثم أمسكها بلا عماد يدعمها وَالْأَرْضَ أي وأنشأ الأرض : أوجدها كذلك فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا ، ولا شبهة أنه سبحانه يقدر على الخلق أمثال ذلك في لحظة ولكنه خلقهما في هذه المدة لمصلحة ، وقيل : انه سبحانه علّم خلقه التثبت والرفق في الأمور ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قيل معناه : ثم قصد إلى خلق العرش يُغْشِي أي يلبس اللَّيْلَ النَّهارَ يعني يأتي بأحدها بعد الآخر ، فيجعل ظلمة الليل بمنزلة الغشاوة للنهار ، ولم يقل : ويغشي النهار الليل لأن الكلام يدل عليه ، وقد ذكر في موضع آخر : يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً أي يتلوه فيدركه سريعا ، يريد أنه يأتي في أثره كما يأتي الشيء في أثر الشيء طالبا له وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أي مذللات جاريات في مجاريهن بتدبيره وصنعه ، خلقهن لمنافع العباد أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ إنما فصل بين الخلق والأمر لأن فائدتهما مختلفة ، لأنه يريد بالخلق : ان له الاختراع ، وبالأمر : ان له أن يأمر في خلقه بما أحبّ ، ويفعل بهم ما شاء تَبارَكَ اللَّهُ أي تعالى عن صفات المخلوقين والمحدثين رَبُّ الْعالَمِينَ أي خالقهم ومالكهم وسيدهم . 55 - 56 - ثم أمر سبحانه بعد ذكره دلائل التوحيد بدعائه على وجه الخشوع كافة عبيده فقال : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً أي تخشعا وسرا عن الحسن قال : بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا وقال : ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربّهم إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ معناه : لا يحبّ المجاوزين الحد المرسوم في جميع العبادات والدعوات وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ومعناه : النهي عن قتل المؤمنين وإضلالهم ، والعمل بالمعاصي في الأرض بعد أن أصلحها اللّه بالكتب والرسل وقيل : لا تفسدوها بعد اصلاحها بالعدل وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً خوفا من عقابه ، وطمعا في ثوابه إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ معناه : ان انعام اللّه قريب إلى فاعلي الإحسان وقيل : إن رحمة اللّه أي ثوابه قريب من المطيعين . والإحسان : هو النفع الذي يستحق به الحمد ، والإساءة : هي الضرر الذي يستحق به الذم . 57 - 58 - لما اخبر اللّه سبحانه في الآية المتقدمة بأنه خلق السماوات والأرض وما فيهما من البدائع ، عطف على ذلك بقوله : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ تعداد النعمة على بريته ، أي يطلقها ويجريها منتشرة في الأرض ، أو محيية للأرض ، أو مبشرة بالغيث حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ أي حملت سَحاباً ثِقالًا بالماء سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ أي إلى بلد ميت ، وموت البلد : تعفي مزارعه ، ودروس مشاربه لا نبات فيه ولا زرع فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ أي فأنزلنا بالبلد الماء فَأَخْرَجْنا بِهِ أي بهذا الماء المنزل ، أو بهذا البلد مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ يحتمل أن يكون من للتبعيض ،